يلتصق عبد الله سيف بزاوية مقيله المميزة بالجريدة، بعيدا عن الجميع، وقد اعتاد عليها منذ سنوات طوال، خصوصا مع إصابته بالصمم. .بهيئته تلك مستويا على عرش تغريبته المرموقة، لطالما كنت اتخيله وكأنه قد خلق في ذلك المكان ولم يفارقه أبدا..وهو بالفعل كذلك ، حيث ارتبط بالثوري منذ تأسيسها قبل 49 عاما.
كان رفيقنا الطيب عبد الله سيف مرجعية جديرة بالثقة، وكإنسان تميز بالنقاوة المهيبة أيضا . الكهل الدؤوب، الأشبه بناسك في محراب طفولته، تنغرس صورته في الروح ، وهو يقلب البروفات ويصحح الأخطاء في مسوداتها بشكل متمكن وحريص . شيئا فشيئا استبد المرض بالجسد السبعيني، وغادر زاويته الموقرة قبل سنوات ليرتاح ..كان يحضننا ويدمع، بينما كان في نفسه ذلك التوق النوعي الذي لم يفتر للحب وللوفاء وللتوجيه.
البارحة مات عمنا عبد الله سيف ..وكم ينبغي على كل من عرفه، أن يعتز برفيق وأستاذ رائد من تلك الطينة النادرة التي بلا كيد أو استعلاء ..تحضر الآن تعليقاته الساخرة غير اللئيمة خصوصا تلك الموجهة لأصحاب الوجوه العبوسة التي لاتطيق السهر ليلة الإخراج، فقد كانت دائما تجلب فيهم الإصرار وتشد الأزر . في الحقيقة عندما اشتد به المرض كنا نتجنب إرهاقه ، واضعين له إعتبارا خاصا لعمره ومتاعب عمره الجليل والمصقول بالفقدانات وبالتجارب .. لكنه بإخلاص حقيقي في التصوف والعطاء، كان يحرص على عدم الأخذ بالفارق العمري ، فاصلا بين العلاقة الشخصية والعمل . الآن ولأسباب وجدانية خاصة أتذكر في 2003 حين رأيته في مقهى بجولة كنتكي ، وهو يتجادل مع أحد الصحفيين المتشنجين ..كنت حينها في التجمع ..كانت علاقتنا رسمية ويتخللها الود..ألقيت التحية وجلست على طاولة أخرى..كان عبد الله سيف يوضح لذلك الشخص الخطأ الوارد في تحقيق له بكل طيبة قروية أليفة وبصوت حنون، كما ببسمة مشرقة ، حيث رأى في فقرة خللا ببنية التحقيق، فأخبر رئيس التحرير الذي كان حينها خالد سلمان ، وكان يثق بآرائه في هذه الجوانب ليوافقه في حذفها ، بينما كان المتشنج وقحا أكثر من اللازم، ليس لاستنكاره الهمجي الذي يملأ جو المقهى فقط! ..وفي الحقيقة كنت أسمع مثل باقي رواد المقهى تفاصيل سوء الفهم بين الأستاذ عبد الله سيف وذلك الضاج الذي كان من الواضح ان إنطلاقه في توضيح وجهة نظره ينبع من حساسية عميقة لنرجسي اخرق ، يسكنه الحس الكوني بالمؤامرات ضده ..أما الأستاذ عبد الله سيف فقد كان بقلب كبير يتحير المرء من قدرته على الإحتمال والصبر إزاء مواقف كهذه طرفها الآخر أشباه بشر للأسف ..وفي خضم التلاسنات التي اثخنت جو المقهى كان ينطلق في وجهة نظره من موقف أخلاقي ومهني ناصع تبريرا لاقتراحه حذف فقرة من مسودة تحقيق ذلك البغل قبل النشر .
المهم..أتممت شرب الشاي وسلمت عليه ، وكانت قد لفتتني الرقة الجسورة في ملامحه وهو يشرح بمنتهى الوقار الحميم لصاحب الزعيق العالي الذي جعل رواد المقهى كلهم ينظرون له شزرا بسبب ما أحدثه من إزعاج حولهم لايحتمل.
بعد شهور حدث انني صادفت ذلك المتشنج الذي كان يتعاون مع عدة صحف بالقطعة في مقيل عام، وكعادته بدا لجوجا ممجوجا وهو يمارس النميمة الصفراء الخبيثة على أكثر من زميل وأكثر من صحيفة .. وقعت عيناه على عيني ليتذكر خلافه مع الأستاذ عبد الله سيف في حادثة المقهى ، فبادر باطلاق عبارة جارحة بحقه تنم عن نفسية غير وازنة في محاولة ليشرح لي سبب ذلك الخلاف بينهما . أحسست ان شتيمته مستني شخصيا رغم العلاقة الطرية بيني والأستاذ عبد الله سيف.
على انني لم اتح له فرصة الإتمام لأنني كنت قد أدركت جيدا كيف انه من ذلك النوع المجوف الذي لايريد الإستيعاب الجاد لخطأه الأكيد.
لاحقا.. عرفت الأستاذ عبد الله سيف عن قرب.. فلمست فيه معنى الإنسان الذي صقلته الأيام جيدا.. بشكل خاص كان من أكثر الذين يعرفون الحدود والالتزامات في إرشاد وعقلنة الفعل السياسي والصحفي، وهذا الأمر بالتأكيد من الطبيعي أن يحدث بشكل أو بآخر بين مختلف الزملاء الأكثر إستيعابا لحرقة القلب في تشظيات الحبر ، وهو السلوك المهني الارتقائي عموما الذي ينم عن ثقة متبادلة واستيعاب لوجهات نظر مسؤولة ، كما يعبر عن إمتلاء داخلي وليس العكس كما أعتقد ذلك المتشنج العابر مثلا.
في السياق تعلمنا من الحنون عبد الله سيف كيف أن الاحتدام السجالي النابع من النقد المهني الذاتي يمثل قيمة شفافة تعزز أجواء الزمالة والرفاقية وليس العكس.
والحليم عبد الله سيف صاحب الروح المشبعة بعزة النفس وبالكبرياء أيضا ، كان يرتاح وهو في الظل ، كما كانت هوايته الأرشفة، فمن عبد الله سيف اطلعنا على أجمل المعارك القلمية السياسية والأدبية والفكرية التي شهدتها صحافة عدن في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات.
وعمنا عبد الله سيف هو الزاهد المتوحد الذي يمتلك ذاكرة جبارة في حفظ تواريخ وأحداث أدق التفاصيل المنسية في تاريخ الحركة الوطنية شمالا وجنوبا . لقد عرف مرارة القسوة مبكرا، اليتم، العصامية، صلابة الموقف، المهام السرية في اطار كفاحات الجبهة القومية .
أما الآن فتحضرني طريقة مقارباته الحميمة للأفكار وللمفاهيم..تلك الطريقة العفوية الملهمة الخالية من شوائب الإدعاء..ذلك أن البساطة هي سجيته الخالصة..ولكنها البساطة المخلوطة بمنتهى الغموض طبعا.!
ثم انني لست ابالغ في كونه أحد الصناديق الوطنية المملؤة بكنوز الحقائق التي لم تكتب بعد.!
فهو من ذلك النوع النادر الذي خبر دهاليز الأحداث الكبرى ونجا من اهوالها على نحو درامي، لكنه بخصيصته المتواضعة ، وبالصمت الذي كان يشعر بأنه يؤنسنه أكثر، إستطاع أن يعبر زمن الحلم والانكسار معا .
أما التعريف الجامع المانع الذي يليق بعبد الله سيف، فهو أن الوضوح يأتي من الهامش غالبا ، بينما يجيء الانحطاط من المتن أحيانا . والمؤكد أن عبد الله سيف قد استكان إلى أن الحقائق توجد في الهامش..تحديدا هناك حيث تكون مهملة أو لايراها أحد ..أما الأوهام فهي تحتشد كعادتها في المتن والى حد التفاهات والقرف .
وداعا أيها العفيف الأصيل ..
ويالهذه الحياة الهمجية القاسية.
قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet