في أواخر أذار/ مارس الماضي، وضعت تقديرات من قبل 100 شخص أن محافظة تعز، يمكنها أن تحقق إيرادات ضخمة تفوق احتياجات المحافظة من رواتب ونفقات تشغيل وتؤمن تراكمات رأسمالية وتنموية هائلة، وذلك خلال ثلاثة أعوام.
هؤلاء المائة شخص هم من يمكن تسميتهم بنخبة الدولة الجديدة في تعز، في حال تمكنوا من تطبيق رؤيتهم التي خرجوا بها، خلال ورشة عمل نظمها مكتب المالية في محافظة تعز، استمرت لمدة ثلاثة أيام، (28 – 30 مارس) وشارك فيها قيادات ومسئولون في السلطة المحلية، إلى جانب قيادات حزبية وأكاديميين.
حينها كما هو الحال الآن، كان سكان محافظة تعز لا يزالون يعانون من الحصار والحرب، وأيضا من تفاقم الأزمة المعيشية جراء توقف الأعمال وتوقف صرف رواتب الموظفين، غير أن استشعار المأزق الماثل منذ عامين، كان قد آخذ يدفع باتجاه التحرك في خطوات عملية.
لكن وبحسب ما أصبحت تتحدث به هذه الرؤية، فإن المؤشرات المالية، تكشف "أن احتياجات المحافظة لمواجهة دفع الرواتب والأجور والنفقات التشغيلية للقطاعات الثلاثة الشاملة الجانب المدني والعسكري والأمني تقدر بنحو 100 مليار ريال يمني في السنة منها 65مليار ريال للقطاع المدني و35مليار ريال لتشغيل المؤسسات العسكرية والأمنية العاملة في المحافظة".
أما بالنسبة لما يمكن الوصول إليه من إيرادات محلية ومشتركة ومركزية، فيقدر بحسب الرؤية "بمبلغ 200 مليار ريال في السنة".
وتؤكد الرؤية أنه "في حالة الأخذ بعين الاعتبار نسبة التسرب العالية جدا في الطاقة الإيرادية والتي تقدر بنسية 85% من إجمالي الطاقة الايرادية واعتبار تحقق العمل بنظام الدولة المركبة على أن تعز ولاية من إقليم الجند وتحقق لها حكم محلي وفق مخرجات الحوار الوطني ومشروع الدستور الاتحادي فأن التقديرات المشار إليها بتحصيل نسبة 15% فقط من الطاقة الايرادية يمكن مضاعفتها لأكثر من 8 مرات بما يعني الوصول لطاقة إيرادية من المحافظة تصل لأكثر من 1,6تريليون ريال يمني في السنة ( 200 مليار × 8 مرات = 1600 مليار ريال)".
لماذا رؤية إستراتيجية؟
تقول مقدمة الرؤية التي جرى إخراجها في كتيب يتكون من 46 صفحة، مدعم بالخرائط والجداول، أن "عملية تحصيل الموارد المالية من مختلف الأوعية الايرادية بصورتها المعتادة،كان قد وتوقف وأنه لم يتم توريدها إلى خزينة الدولة منذ اجتياح مليشيات الحوثي / صالح لمحافظة تعز في مارس 2015 م ومحاولة بسط نفوذها على المحافظة"
وتضيف المقدمة "ونظرا لعدم توافر الموارد المالية المتاحة للسلطة المحلية فقد كان لزما التفكير بضرورة إعادة تشغيل وتفعيل الأوعية الايرادية للمحافظة؛ لتأمين الموازنات التشغيلية اللازمة لعمل مكاتب السلطة المحلية".
كان محافظ تعز علي المعمري، قد أصدر مطلع العام الجاري عدد من القرارات، بهدف كما تقول الرؤية "ترتيب أوضاع المحافظة وإعادة دور الدولة فيها ممثلة بالسلطة المحلية وتشغيل المكاتب الحكومية".
من بين تلك القرارات جرى تكليف د. محمد عبدالرحمن السامعي مديرا عاما لمكتب المالية بالمحافظة. غير أن بدء مكتب المالية بتفعيل وحداته الايرادية، أصطدم بتركة عامين من الحرب، وبرزت عدد من المشاكل والمعوقات التي ستواجه عملية تفعيل الوحدات الايرادية في المحافظة.
النظر إلى طبيعة هذه المشكلات، وسبل مواجهتها، وضغط الواقع المتردي نحو ضرورة البحث عن حلول واقعية، لعل هذا ما قاد مدير مكتب المالية المعين للتو إلى فكرة فكرة الاستعانة بخبرات علمية متخصصة في هذا المجال، وهي الخبرات التي تزدحم بها جامعة تعز.
طرحت المشكلة على طاولة الاكاديميين، والذين رأوا أنه من الضروري عقد ورشة عمل، لبحث المشكلة، وايجاد حلول واقعية لها، وهو ما سيتم، حيث ستعقد الورشة باشراف، استاذ الاقتصاد في جامعة تعز، د. محمد علي قحطان، بمشاركة خبراء متخصصين.
هذه الورشة ليست ككل الورش الترفية التي تعقد ما بين وقت وآخر، بل تتصل بواقع معاش، أصبح سكان تعز يرزحون تحت ثقله، لهذا تحدد هدفها بدقة وهو "الكشف عن طبيعة ونوعية المشكلات والمعوقات التي تواجه عملية إعادة تشغيل وتفعيل الأوعية الايرادية وتحليلها ووضع المعالجات الواقعية المناسبة".
وعلى مدى ثلاثة أيام وضع المشاركون فيها مصفوفة بالمشاكل والمعوقات التي تواجه عملية تحصيل الموارد المالية، وتمنع وصولها إلى خزينة الدولة، ثم مصفوفة أخرى بالحلول المقترحة لتحصيل هذه الموارد الى خزينة الدولة، إلى جانب قائمة بالتوقعات، وأخيرا عدد من التوصيات الملحة.
المشاكل والمعوقات
اشتملت مصفوفة المشاكل والمعوقات على 25 نقطة، أبرزها، "سيطرة الانقلابيين على منافذ المدينة ومناطق تمركز الرأس المال، الحصار المفروض على المدينة من ثلاث جهات رئيسية وحيوية"، وأيضا "تدني مستوى الأداء المؤسسي للسلطة المحلية والأجهزة التنفيذية في المحافظة"، إلى جانب "سيطرة الجماعات المسلحة على مباني ومكاتب الأجهزة التنفيذية في المحافظة، وتعرض محتويات هذه المكاتب من أجهزة وأثاث ومعدات وأنظمة ألكترونية للنهب من قبل المليشيات الانقلابية والجماعات المسلحة".
شكل "تدمير بعض المباني والمكاتب الخاصة بالأجهزة التنفيذية ومؤسسات الدولة بالمحافظة من قبل مليشيا الحوثي /صالح"، أحد العوائق أمام استئناف نشاط السلطة المحلية، غير أن "ضعف مستوى أداء السلطة المحلية وعدم وبسط نفوذها على مستوي المناطق المحررة بالمحافظة"، كان قد أصبح عائقا بحد ذاته.
وحصل التطور الخطير، مع "سيطرة أصحاب النفوذ والجماعات المسلحة على القرار الإداري في المحافظة وعلي منابع الإيرادات وتوريدها إلى حسابات خاصة" بالتزامن مع "ضعف مستوى أداء الأجهزة الأمنية بالمحافظة".
وهناك نقاط أخرى تمثلت بالانفلات الأمني وانتشار ظاهرة الجريمة، وتأخر عملية دمج المقاومة في الجيش وتوقف فرع البنك المركزي في تعز، وانتشار الجماعات المسلحة، وتعدد قياداتها، كل ذلك أصبح يمثل تحديا أمام أي مساع سوف تهدف إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.
ولم تنس الرؤية أن تشير إلى ان "غياب الرؤية السياسية الواضحة للأحزاب والتنظيمات السياسية تجاه المحافظة وترتيب أوضاعها"، مثل أحد العوائق، مثله مثل عائق فقدان قاعدة المعلومات والبيانات المتعلقة بالموارد المالية وموظفي الدولة، وأيضا هروب رؤوس الأموال وتوقف المنشآت الصناعية.
الحلول المقترحة
جاءت الحلول المقترحة من أجل اعادة تحصيل الموارد المالية في محافظة تعز الى خزينة الدولة في 21 نقطة، لعل أبرزها، "سرعة فتح فرع البنك المركزي بالمحافظة وإعادته للخدمة"، وهو الأمر الذي بدأ العمل عليه خلال الأيام الماضية، من خلال فتح مقر بنك التسليف الزراعي ليصبح مقرا لادارة البنك المركزي.
ومن بين الحلول المقترحة "توفير الحماية الأمنية اللازمة لرجال الأعمال وموظفي الدولة والمكلفين والمحصلين للموارد المالية وتوريدها إلى خزينة الدولة" و"رفد الأجهزة الأمنية بقوات من الجيش الوطني لتعزيز مستوى أدائها في المحافظة".
وجاء ضمن الحلول "إلزام قيادة السلطة المحلية بالعمل في مركز المحافظة بصورة دائمة ومستمرة" و"إخلاء مؤسسات الدولة من الجماعات المسلحة، وإعادة ترميمها وصيانتها وتجهيزها بكافة المتطلبات اللوجستية وإعادة تشغيلها". إلى جانب "إعادة فتح وتشغيل أجهزة الضبط القضائي والسلطة القضائية" و"ضبط الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون ومحاكمتها، وتطبيق القانون على كل مخالف".
الحلول الأخرى (يمكن الرجوع للرؤية) لا تقل أهمية، ولا يبدو أن عملية تطبيقها بالأمر السهل. غير أن هذه الرؤية أصبحت تمثل بالنسبة لتعز الخطوة الأولى لتجاوز واقع البؤس والتجويع الذي فرضته حالة الحرب القائمة. بل أنه يمكن القول أن هذه الرؤية تؤسس لخطوات جادة من شأنها تجاوز حالة الحرب وبالدفع بالمعركة نحو تحرير المحافظة بالكامل.
أربع توصيات
تبقى أن نشير إلى التوصيات الأربع التي جاءت في ختام الرؤية، فقد نصت التوصية الأولى على ضرورة "التسريع بتحرير المحافظة من مليشيا الانقلاب وعلى نحو خاص منطقة الحوبان إلى القاعدة وطريق تعز – عدن) وطريق المخاء – تعز لرفد المحافظة بما تحتاجه من واردات بيسر وسهولة بعد تحرير ميناء المخاء والاستعداد لإعادة تشغيله".
نصت التوصية الثانية والثالثة على ضرورة "إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفق أسس فنية ووطنية بعيدة عن التأثيرات السياسية والحزبية الضيقة ورفدها بما تحتاجه من الأجهزة والمعدات والأفراد". وأيضا "التسريع بإعادة تفعيل مكاتب السلطة المحلية وتأمين الرواتب والأجور والنفقات التشغيلية مع إعطاء اهتمام خاص لإدارة الأوعية الإيرادية بصورة تكفل توفير السيولة النقدية اللازمة لاحتياجات التشغيل".
وتحدثت التوصية الأخيرة عن ضرورة "التخلص ما أمكن من صور العمل العشوائي الذي يسود حاليا في إدارة الحرب. وإعادة البناء لمؤسسات السلطة المحلية وانتهاج العمل بأسلوب التخطيط بالمشاركة في القطاعات المختلفة"..
قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet