درجت العادة أن تحتفي شعوب العالم احتفاءات استثنائية بمناسباتها الوطنية حين تبلغ عامها الخمسين فيما يعرف باليوبيل الذهبي أما في الحالة اليمنية فلم يكن بعد بلوغ مناسباتنا هذا العمر إلا النقصان والارتداد.
فبعدما تجاوزت ثورتا سبتمبر وأكتوبر الخمسين من أعوامهما وأكتوبر, يمر الوطن بأشد محنة تكاد تقضي على مشروع الثورتين الذي وإن تعرض لعثرات وإخفاقات كبيرة غير أنه لا يقارن بما يلوح في الأفق من مصير كارثي للبلاد.
شكلت ثورة أكتوبر ومنجزها الذي اكتمل بعد أربعة أعوام في 30 نوفمبر 1967 نقطة مضيئة وسط منطقة كان يلفها السواد والإحباط عقب نكسة حزيران القومية واحتشاد القوات المعادية لنظام ثورة سبتمبر حول صنعاء, عاصمة الجمهورية الوليدة.
كما شكل تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني في أكتوبر 1978 أول وحدة لروافد الحركة الوطنية بمضامينها الحديثة.
ولم يأت الاقتران التاريخي هذا صدفة, إذ مع ما رافق حكم الاشتراكي من إخفاقات وأخطاء في إدارة سلطات الدولة في الجنوب خلال حقبة هيمنت عليها قيم الشمولية والمؤامرات الدولية والإقليمية المشبوبة ضد البلدان المحكومة بأنظمة اشتراكية بيد أن الحزب كان القوة الأساسية التي طبعت الدولة التي قامت على قاعدة الثورة بمضمونها الحديث.
حقاً، اليأس والإحباط يسدان أفق اليمنيين كلهم منذ صعقتهم الأحداث في سبتمبر الماضي، معلنة بلسان حالها انعدام أي آمال في التقدم, لكن مهما يكن من ذلك فقضية بحجم القضية الجنوبية ينبغي ألا يتقرر مصيرها بردة فعل وبتصفيق من القوى التي طوحت بالمشروع الوطني الذي حمله الاشتراكي إلى دولة الوحدة, وناصبت الحراك العداء والقطيعة طيلة سني نضاله في سبيل هذه القضية.
قوى المال والسلاح بمختلف ضروبها من الأحزاب والمليشيات ومراكز النفوذ التي مانعت وجابهت أطروحات الاشتراكي بشأن حلول القضية الجنوبية ومستقبل الجنوب في دولة وطنية ها هي تبدي استعدادها للتضحية بالوطن كله وقذفه إلى الجحيم دفاعاً عن أصغر مصلحة من مصالحها تعرضت للخطر.
من المؤسف القول بعد الانهيارات الآخذة في التتالي إن الوطنية اليمنية في الحضيض والعسكرية اليمنية في الحضيض والسياسة اليمنية في الحضيض.. ولم يعد يزدهر على هذه البلاد إلا السلاح العادي والتشظيات المتفانية في نهش الجسم الوطني أفقياً وعموديا.

