تعتزم حكومة الوفاق الوطني خوض غمار امتحان شعبي ربما هو الأصعب, منذ تشكيلها في ديسمبر 2011, إذ تتجه الى رفع الدعم الحكومي للمشتقات النفطية, في خطوة لرفع العبء عن الموازنة العامة للدولة وخفض العجز الذي تراجعت عن اتخاذه أكـثـر من مرة خوفاً من اندلاع انتفاضة شعبية.
مؤكد انها خطوة فاعلة لسد نزيف الموازنة العامة الذي يكلف الدولة سنوياً أزيد من ثلاثة مليارات دولار تقريباً, بيد أن هذه الخطوة على الأرجح, ستفتح على الحكومة جبهة شعبية يصعب احتواؤها بسهولة, خاصة وان قوى سياسية بعينها ستتخذها مطية للنيل من حكومة الوفاق.
وبرر وزير المالية صخر الوجيه أن العائدات المالية من بيع النفط الخام المصدر والمستهلك محلياً أقل من قيمة المشتقات النفطية المستوردة والمنتجة من مصفاتي عدن ومارب.
وقال الوجيه لدى حضوره, الثلاثاء جلسة البرلمان, إن وزارته طرحت أربعة بدائل لتغطية عجز الموازنة أولها إيقاف الاستثمارات الحكومية والاكتفاء بدفع المرتبات ودعم مشتقات النفط ودفع أقساط الديون الحكومية وفوائدها، أو الحصول على دعم عيني أو نقدي للموازنة بمليارين و500 مليون دولار، أو السحب على المكشوف (الاستدانة من البنك المركزي عبر طباعة عملة محلية بدون تغطية تقابلها من العملات الصعبة أو الذهب).
واعتبر هذا البديل كارثياً كونه سيرفع مديونية الحكومة من 707 مليارات ريال إلى ترليون و750 ملياراً ما سيؤدي إلى تضخم كبير (ارتفاع الأسعار) في حين أن البديلين السابقين غير ممكنين من الناحية العملية. وفضل بديلاً رابعاً يقضي برفع الدعم عن المشتقات النفطية، رغم عدم قبوله شعبياً، وأنه خيار مر لا بد منه. وأرجع السبب إلى أن الحكومة قدرت حصتها من النفط في موازنة السنة السابقة بـ54 مليون برميل في حين استلمت فقط 42 مليون برميل.
من وجهة نظر مؤيدة, فإن رفع الدعم عن المشتقات النفطية يمثل ضرورة اقتصادية، إذ أن هذا الدعم لم يصل الى الفئات المجتمعية المستهدفة بل ذهب لمصلحة غير المستهدفين، وبالتالي أصبح عبئاً مالياً كبيراً على الاقتصاد الوطني وفئات المجتمع بشكل عام. لكنهم نبهوا الى ضرورة إيجاد آلية مناسبة للاستفادة من المبالغ وتوجيهها الى الصيادين والمزارعين بصورة غير مباشـرة، من خلال منحهم تسهيلات مادية ومالية كوسائل إنتاج وبذور بأسعار مخفضة، وكذا النظر في مستويات الأجور والمرتبات التي ستصاحب رفع الدعم.
وإلغاء الدعم وفقاً للمؤيدين, يعني توفير مبلغ الدعم لخزينة الدولة وإعادة توزيعه وفق الأولويات الاقتصادية في البلد مما قد يعود بالنفع على كل اليمنيين من خلال إقامة المشروعات الخدمية المختلفة.
تحتاج الحكومة إذا كانت بالفعل قادمة على رفع الدعم عن المشتقات النفطية أن تقول: هل إيصال الدعم لمستحقيه يعني زيادة ثابتة على الرواتب العاملين والمتقاعدين في الجهاز الحكومي والضمان الاجتماعي وصندوق المعونة؟, وأيضاً آلية للعاملين في القطاع الخاص ممن يشملهم الدعم.
لا بد إذاً من تحديد الفئات التي ستستفيد من الدعم بدقة ووضع آلية واضحة لوصول الدعم لمستحقيه ذلك أن الغموض يعني زرع قناعة بأن ما ستفعله الحكومة ضارٌ بالدولة, مع أن التفاصيل قد يقبلها المواطن إذا سمعها وعرف أنه لن يدفع الثمن ولن يتأثر في معيشته.
إن مسألة دعم المشتقات النفطية مثلت قضية شائكة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، فالمشكلة من وجهة نظر د.طه الفسيل (أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء) أن الدعم له آثار اقتصادية إيجابية وسلبية، الجانب الإيجابي يتمثل في الدور الاجتماعي للدولة باعتبار النفط ملكية عامة من حق المواطن أن يستمتع به (تعتمد اليمن على نسبة كبيرة في تغطية ميزانيتها المالية على موارد النفط والغاز بنسبة تصل إلى %85). أما الجانب السلبي فيتمثل في تحميل الموازنة عبئاً اقتصادياً كبيراً، وفي الوقت نفسه، فإن الدعم له آثاره السلبية من خلال انعدام الكفاءة الاقتصادية في الاستهلاك والتبذير والتهريب وعدم وجود سعر حقيقي يعبر عن التكلفة الحقيقية للمجالات والأنشطة الاقتصادية يستفيد منه الفقير والغني، اليمني والأجنبي، القادر وغير القادر.
أما من وجهة نظر صندوق النقد الدولي فإن رفع الدعم عن المشتقات النفطية يعد ضرورة لأن اليمن «لا يتوافر لديها الموارد المالية الكافية لتلبية عملية التنمية المستدامة التي تهدف الى تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفع والتي يصحبها خلق وظائف عمل مجزية وتحسين مستويات المعيشة لا سيما للطبقات الفقيرة».
والوصول الى ذلك وفقاً لرئيس بعثة الصندوق في اليمن د.خالد صقر: يتطلب الاستثمار في الثروة البشرية من خلال إصلاح نظم التعليم والرعاية الصحية وشبكات الأمان الاجتماعى، والسعي لتهيئة مناخ الأعمال، وتعزيز فرص الحصول على الخدمات المالية، وإصلاح المؤسسات العامة، ومكافحة الفساد.
على الجانب الآخر السلبي, تثير قضية رفع الدعم عن المشتقات النفطية المخاوف لدى الأوساط الشعبية من كارثة ارتفاع الأسعار وكوارث ما يعرف بـ(الجرع)خاصة بين الفقراء الذين يعتمدون منهم على وسائل النقل العامة وأصحاب مضخات المياه المزارعين تحديداً.
ويظل التركيز على قضية بمعزل عن إجراء إصلاحات شاملة في الجوانب المالية والاقتصادية والمعيشية لن تزيد الاوضاع إلا سوءاً، إذ ستؤثر على الاستقرار والأمن الاجتماعي الأمر الذي يوجب على الحكومة ترشيد الإنفاق والاستهلاك في المؤسسات العسكرية والمدنية التي تحتل جزءاً كبيراً من الهدر والتهريب للمشتقات النفطية, ذلك أن الإصلاحات إذا اقتصرت فقط على رفع الدعم عن مشتقات النفط ستمثل صب الزيت على النار.