في السابق، كانت الأنظمة التسلطية تنتظر اندفاع الجماهير ولديها اليقين الكافي، أنها بكامل استعدادها لكي تقوم بالواجب. اليوم لم تعد المسألة في نقص القوة والاستعداد. بل ربما تكون النوازع الإجرامية قد تضاعفت أكثر. غير أن الاندفاع الشعبي لم يعد شيء ينبغي التساهل معه. فخروج الجماهير إلى الشارع، معناه أنها تضع يدها على مساحة جديدة سوف تتسع، بغض النظر عن النتائج الأولية لهذا الخروج.
أصبحت الأنظمة الاستبدادية تدرك أكثر من غيرها قيمة الجماهير المحتشدة. بل أن هذه الجماهير مثلا هي من مكنت الثورة المضادة في بلادنا من تحقيق بعض أهدافها التي لم يمكن من الممكن تخيل تحققها بطريقة أخرى. واليوم هي تستخدم الجماهير لتحسين شروطها.
كان من المنتظر أن يؤسس حدث الأحد 9/أكتوبر لما بعده، فقد بدأت الأصوات ترتفع بشكل غير مسبوق، ما يفتح أفاق العودة إلى الثورة، أو ربما الانطلاق في ثورة جديدة شاملة.
غير أن ما حدث في صالة العزاء قبل يوم واحد، من (الأحد المغدور)، كان قد استطاع أن يحرف المزاج الشعبي في اتجاه آخر. لقد قتل وجرح المئات في عملية لم تتضح تفاصيلها الكاملة بعد، وسيكون من المؤسف أنها لن تتضح كما هي العادة مع مثل هذا النوع من الجرائم.
سوف يسعى كل طرف معني بالأمر، إلى توظيف الجريمة لصالحه، ومع مرور الوقت، سوف يتواطأ الجميع عن نسيانها، والقفز عليها نحو ميدان جديد للصراع وربما جريمة أخرى.
تبدو أحد مهام الثورة القادمة، المتوفر كثير من شروطها حاليا، هي رد الاعتبار للتاريخ، وعدم السماح أن يؤخذ اليمنيين من جديد على حين غرة.
في الحقيقة، نجحت الجريمة في إيقاف الاندفاع الشعبي، وكثير من القطاعات سوف تنجرف خلال الفترة القادمة خلف شعارات البروبجندا التي سيتبناها كل طرف لتوظيف الجريمة.
وحتى بعيدا عن توقعاتنا حول الطرف الذي ارتكبها أو من الممكن أن يرتكبها، فإن الأكيد في هذه المسألة، أن الشعب ليس له يد أو مصلحة في هذه الجريمة، بل هي تنال منه في الأساس، وتعود لترسم الحدود الفاصلة بين معاناة متشابهة كانت قد جمعت الغالبية العظمى من اليمنيين وجعلتهم يتأهبون للوثوب مجددا وقول كلمتهم.
طال الصراع أو قصر، ستظل كلمة الشعب هي الأقوى، وستظل القواسم المشتركة، والمشاكل العميقة التي تمس حياتهم يوميا، هي منبع توحدهم، لأنها في الأساس أساس فشل مراكز القوى والنفوذ على الضفتين.
بالطبع تداعي الناس للتظاهر في صنعاء، لم يحمل دلالة أكيدة عن أن الحاضنة الشعبية للحوثي وصالح قد تخلخلت، لطالما كانت الأوهام والشحن الإعلامي هو الأكثر سطوة على هذا الحاضنة، غير أن المعاناة تزداد كل يوم. هذا الخروج كان سيبدؤه أولئك الذين أجبرتهم الحرب على الرضوخ للأمر الواقع، بغض النظر عن مدى قبولهم به، لكن ظروفهم المعيشية لم تعد تسمح بالرضوخ أكثر. هذا ما كان سيفتح المجال للتداعي والبحث عن خلاص ليس بوسع الحرب تقديمه.
حتى والأمر كان لا يزال مجرد دعوة على فيس بوك (حزبنا الجديد هذا والواسع)، وباقي وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كان من السهل لأي شخص أن يستشعر حجم الغبطة التي تتصاعد في صدور الجياع. أن يستشعر أيضا الخوف في وجوه أمراء الحروب وأولئك الساسة (من أدمنوا تربية العجز والخضوع)، فمثل هذه اللحظات هي حقا مرعبة. هي أكبر منهم، وفي مثل عمر المعاناة الطويلة. لكن الآن أصبح بوسعهم تنفس الصعداء.
غير أن الثورة باقية وهي في رحلة عبر المطهر كما يقول ماركس، ولم يعد من الممكن، فصل التهيج الجماهيري في صنعاء واب والحديدة، عن حركة الجماهير في مختلف أنحاء اليمن وان اختلفت التعبيرات والأشكال التي تبرز.
مثلا شهدت تعز خلال الأسبوع الماضي، عدد من الأشكال الاحتجاجية، ضد سلطات متعددة.
وقفات احتجاجية تطالب بضبط الأمن في مدينة التربة، والقبض على المطلوبين امنيا، وهو الاحتجاج الذي احتفظ بنبرته التصاعدية، ورأت السلطات المحترفة للماطلة، ضرورة الاستجابة له.
خرجت مظاهرة أخرى من قبل "المهمشين" المطالبين بتوزيع عادل لمواد الإغاثة، خرجوا شاهرين جوعهم لأول مرة تقريبا. لقد حرص تجار الإغاثة في تعز على تملق مزاج قطاعات بعينها، وتم استثناء من أُعتقد (بضم الهمزة) أنهم خارج دائرة التأثير.
ربما قلة فقط هم من سمعوا عن مظاهرة المهمشين، لكن الأمر أصبح يشير إلى دخول قوى جديدة ميدان الصراع، جراء الظروف المعيشية القاسية.
ولابد أن هذه المظاهرة، تشكل أساسا، لاحتجاجات قادمة سوف تشمل حتى أولئك الذين يحصلون كل شهرين مرة، على مواد اغاثية. أساسا هذه الإغاثة في معظمها يجري استبدالها بمواد فاسدة ومنتهية الصلاحية ويذهب فارق السعر والمتاجرة إلى جيوب مجهولة.
خلال الأيام الماضية أيضا، خرجت في تعز مظاهرة كبيرة، قادها طلاب المدارس أنفسهم. لقد طالبوا بإخلاء مدارسهم المسيطر عليها من قبل بعض قادة المقاومة.
في الحقيقة كانت حملة واسعة قد دشنت على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية، طالبت بإخراج المسلحين من المدارس وتهيئة الأجواء أمام عام دراسي جديد.
لم تعد الناس تفرط بحقوقها. لكن ولأن الخفة لا تزال هي السائدة، فقد تم إخلاء المدارس في المناطق القريبة من الجبهات المشتعلة بينما تم الإبقاء على مدارس واقعة وسط المدينة. المدارس الأكثر أمانا لا تزال حتى اللحظة تحت سيطرة المسلحين. لهذا تحولت الحملة الافتراضية إلى تحرك عملي، أتوقع انه سوف يتواصل وسيمتد إلى قضايا جديدة.
كل هذه التحركات، لا تقف خلفها أحزاب سياسية، بل هي ضد سلطات مستحوذ عليها في الأساس من قبل بعض هذه الأحزاب التي أصبح هدفها كما يبدو، مواصلة النهج الاستبدادي، وعدم إعطاء الجماهير أية قيمة تستحقها. في صنعاء ربما الأمر أكثر تعقيدا ومدعاة للترقب. فسلطة الثورة المضادة هناك تفرض قبضتها الحديدية على المجال العام، وتتوسل كل الشعارات الغبية في سبيل منع الجماهير من الاندفاع.
ميدان الصراع يتسع، وعما قريب لن تكون جبهات الحرب بمنأى، خصوصا مع تنامي نفوذ تجار الجثث، ومهندسي صفقات الأسرى المشبوهة.
من يقاتلون في صف المقاومة هم أبناء الشعب، ولم تعد المسألة بالنسبة لهم خيارا من بين خيارات عدة، بل اتجاه إجباري ومفروض، وهذا ما يجعل قوات الثورة المضادة عاجزة عن تحقيق تقدم رغم كم المشاكل التي تحيط بالفعل المقاوم.
ومن يقاتل في صفوف الثورة المضادة هم في غالبيتهم أبناء الفقراء الذين تم استغلال حاجتهم وجهلهم، لكن اشتداد المعاناة، وفتح مساحة جديدة للصراع مختلفة كليا وتتسع للجميع، سيجعل هؤلاء مجبرين على إعادة حساباتهم.
اليوم فهيم المخلافي في تعز، يحظى باهتمام واسع، أكثر من أي قيادي في الإصلاح مثلا. ما يكتبه على صفحته في "فيس بوك" بكثير من الأخطاء الإملائية، أصبح يترك أثرا بليغا، بينما بيان اليدومي قبل أسابيع لم يجلب لصاحبه سوى مزيد من السخرية. اليوم مروان كامل يحضر لثورة جديدة من على صفحته دون أن يقصد ذلك، بينما قادة الأحزاب يتبادلون الضغائن والبحث عن الطرق الأقصر لتحسين وضعهم المعيشي.
في ظل تمسكها بصيغ العمل القديمة، التي هي جزء من ثقافة سياسية مشوهة، واجترار لعهود الاستبداد، فأن هذه الأحزاب تفقد تأثيرها.
بالطبع ليس هذا بيان استغناء عن الأحزاب السياسية، بقدر ما هو دعوة لإخلاء العهد، دعوة موجهة لتلك البيروقراطيات التي تتمسك بالعيش خارج الزمن. بالمقابل دعوة للجماهير لاستشعار مأزق أن تضحياتها تذهب هدرا في كل مرة، بينما الهدف ابعد من مجرد إثارة الرعب أو إسقاط سلطات طارئة.
هناك ألف أحد في انتظارنا، وكل تأخير هو فرصة لمزيد من التكامل، وأكثر للمراجعة وتمحيص الإخفاقات والخيبات المتكررة وفي سبيل تجاوزها، مرة، وإلى الأبد. فهذا هو الزمن الذي لا يشبه أي زمن آخر..
قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

