لا يبدو خيار حكومة الكفاءات الجاري تشكيلها كافياً لإنعاش العملية السياسية وإحلال القدر المطلوب من الاستقرار في ظل حقائق ميدانية تطبعها المواجهة وتصدع العلاقات السياسية.
فمع أن الأطراف السياسية وقعت مطلع هذا الأسبوع اتفاقاً, يخول الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الوزراء المكلف خالد محفوظ بحاح تشكيل حكومة كفاءات, إلا أن الأوضاع الميدانية والعلاقات السياسية تزداد تعقيداً فيما تقلص جماعة الحوثيين على نحو مطرد من حرية القرار الرئاسي، وتلوح بالانقضاض عليه.
ونص الاتفاق الذي وقعته كل القوى السياسية بما فيها أنصار الله والحراك الجنوبي على تخويل هادي وبحاح "تشكيل حكومة كفاءات وطنية وفقا للمعايير المتفق عليها في وثيقة السلم والشراكة الوطنية: النزاهة، الكفاءة، والتحلي بالخبرات اللازمة للحقائب الوزارية والتزام حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون والحياد في إدارة شؤون البلاد"، وبما لا يخالف كل بنود وثيقة السلم والشراكة الوطنية".
والتزمت الأطراف الموقعة على الاتفاق بعدم الطعن في اختيارات الرئيس ورئيس وزرائه ودعم الحكومة التي سيشكلانها.
ورجحت القوى السياسية في نهاية المطاف مقترح حكومة الكفاءات الذي نادى به الحزب الاشتراكي اليمني منتصف الأسبوع الماضي لاختراق حالة الخلاف التي حالت دون الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية.
كان الأمين العام للاشتراكي الدكتور ياسين سعيد نعمان صرح منتصف الأسبوع الماضي بخيار حكومة الكفاءات في حال لم تتوافر حكومة الشراكة الوطنية على معايير متعددة.
ورهن ياسين نعمان مشاركة الاشتراكي في الحكومة التي كان يجري الخوض في موضوعها بعوامل عدة, منها تحرير العملية السياسية من ضغوط ما بعد مؤتمر الحوار الوطني وأن تكون المهمة الأساسية للحكومة هي "الحفاظ على كيان الدولة واستكمال ما تبقى من مهام المرحلة الانتقالية للوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة" وأن تولي الحكومة الوضع في الجنوب اهتماماً من شأنه حل القضية الجنوبية بما يرضي خيارات الشعب هناك.
جاء التوقيع على اتفاق حكومة الكفاءات في توقيت مناسب للرئيس هادي الذي كان واقعاً تحت ضغط شديد, بعدما لمحت جماعة الحوثيين إلى أنها ستطيح به إذا لم يشكل الحكومة في غضون عشرة أيام.
فقبل توقيع الاتفاق بيوم واحد, أمهل الحوثيون هادي عشرة أيام لتشكيل الحكومة وإلا شكلوا "مجلس إنقاذ" لحكم البلاد, وذلك خلال لقاء موسع رعته الجماعة المسلحة لشيوخ قبليين وضباط عسكريين وسياسيين موالين لها لتحديد آلية للتعامل مع الوضع الميداني والسياسي الذي فرضته منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء يوم 21 سبتمبر الماضي.
وأفصح الحوثيون في اللقاء عن تمسكهم بالوضع الميداني والسياسي الذي فرضوه بالقوة واعتزامهم التوسع في مظاهره ووقائعه في الوقت الذي مواجهة جديدة في مدينة إب وسيطروا على مكتب حزب الإصلاح بعد أربعة أيام من سيطرتهم على مركز مديرية الرضمة وتفجير منزل الشيخ القبلي عبدالواحد الدعام الذي قاد القتال في مواجهتهم.
وجاء في بيان صدر باسم اللقاء الذي وصفه الحوثيون باجتماع لحكماء اليمن وعقلائها "يؤكد المجتمعون على أنهم ماضون في عملية التغيير وفي المسار الصحيح الذي عبرت عنه أهداف الثورة واتفاق الشراكة والسلم، ولن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام التعاطي غير المسؤول في القضايا المصيرية التي يتحدد على أساسها مستقبل هذا الوطن وأمنه واستقراره وستظل الخيارات مفتوحة للحفاظ على الاستحقاقات والمكتسبات الثورية التي حققتها ثورة 21 من سبتمبر".
كما أعلن الاجتماع تشكيل "لجان ثورية" في جميع محافظات البلاد لمراقبة أداء المؤسسات الحكومية, وكذا تشكيل "مجلس عسكري لحماية الثورة".
وبينما تطغى حالة اللايقين السياسي وتلقي بنتائجها على مختلف الأصعدة في البلاد, ليس سوى جماعة الحوثيين تحسم خياراتها في الميدان وتمضي باتجاه إنفاذ تصوراتها حول إدارة واقع ما بعد 21 سبتمبر.
فقد دعا زعيم الجماعة عبدالملك بدر الدين الحوثي مسلحيه الذين يطلقون على أنفسهم "لجان شعبية" إلى رفع جاهزيتهم القتالية , ولمح إلى إمكانية أن تقدم جماعته على السيطرة الكاملة على السلطة.
واستخدم الحوثي في خطاب مطول له يوم الثلاثاء خلال إحياء أنصاره لذكرى عاشوراء لهجة حادة في مخاطبة الرئيس عبد ربه منصور هادي والقوى السياسية, قائلاً "أنادي الرئيس والأجهزة الرسمية أن اتقوا الله في شعبكم ثم احذروا لأن شعبنا لن يصمت إلى الأبد, يمكن أن يتحرك الشعب في مشوار ثوري فاعل يغير كل هذه المعادلات إن لم تلتفت القوى الرسمية الجهات الرسمية والقوى السياسية إلى حقيقة الواقع".
وأضاف: أقول له (الرئيس) لا تكن أداة سيئة بيد الآخرين، يحاولون من خلالك الالتفاف على الاستحقاقات الثورية لأننا لن نسمح بذلك لأيٍ كان وأيً كان موقعه؛ لن نسمح له أن يلتف على الاستحقاقات الثورية ولا على المكاسب الشعبية.
وأردف الحوثي الذي تحدث عن مؤامرات اقتصادية وسياسية وأمنية ضد الوضع الذي فرضته جماعته يقول "أدعو شعبنا اليمني العظيم أن يكون مستعداً لأي خيارات قادمة في حال أراد أولئك اللؤماء واللامسؤولين واللاإنسانيين أن ينزلقوا بالبلد نحو الفوضى والانهيار. لن نسمح أبداً بذلك؛ هذا هو موقفنا مهما حاولت بقية القوى أن تتفرج أو أن تنشغل بحساباتها الخاطئة والقاصرة والمحدودة في أطماعها".
الحوثيون همشوا بالفعل مركز الرئيس هادي بعد سيطرتهم على العاصمة وانتزعوا منه سلطة القرار, إلا أن استمرار دعم المجتمع الدولي له وتقييم الحالة اليمنية عبره دون الانتقاص من شرعيته, فضلاً عن الصعوبات الميدانية التي بدأ مقاتلو الجماعة يواجهونها كلما توسعوا في محافظات إضافية هي عوامل يبدو أنها زرعت إحباطاً لدى قادة الجماعة بعدما وجدت نفسها تدير وضعاً لا طاقة لها به.
ومع أن الحوثيين لم يولوا العامل الخارجي اهتماماً بحكم طبيعة جماعتهم الانعزالية وعدم ارتباطهم بمصالح, يمكن أن تتأثر بالموقف الدولي حيال الوضع اليمني, غير أن عدم انحياز المجتمع الدولي إلى الحقائق الحوثية على الأرض, إضافة إلى الحديث عن نية مجلس الأمن فرض تدابير عقابية ضد قادة في الجماعة هو ما يدفع بقادتها إلى مناوشة موقع الرئيس والتوعد بتطويحه.
لعل هذا الرد الحوثي نابع من الاعتقاد بأن هادي هو صاحب الكلمة العليا في تحريض المجتمع الدولي على الأسماء المتوقع أن تطالها العقوبات الأممية. هذا الاعتقاد قد يكون محقاً إلى حد ما, لكن المتضرر الحقيقي من العقوبات في حال تطبيقها سيكون الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي تشير قرائن متزايدة إلى تحالفه مع الحوثيين.
وبات موضوع العقوبات الأممية التي يُفترض أن يكون مجلس الأمن قد ناقشها ليلة الأربعاء هو أكثر ما يشغل الرئيس السابق وتياره في المؤتمر الشعبي العام, بعدما كشفت وكالات أنباء عالمية أن الولايات المتحدة الأميركية طالبت بفرض عقوبات أممية على صالح واثنين من قادة جماعة الحوثيين بدعوى تهديد استقرار البلاد وإعاقة العملية السياسية.
ونقلت وكالة رويترز عن دبلوماسيين أن الولايات المتحدة قدمت طلباً الجمعة الماضية إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن بشأن اليمن لتجميد أصول مملوكة لعلي عبدالله صالح وعبدالله يحيى الحكيم (أبو علي الحاكم) وعبدالخالق الحوثي وحظر دولي على سفرهم.
وفقاً للوكالة, قدمت الولايات المتحدة "بيان حالة" إلى لجنة العقوبات يشتمل على ذكر لأدوار الثلاثة المتهمين بعرقلة العملية السياسية.
وجاء في البيان "بدءاً من خريف 2012 أفادت أنباء بأن علي عبد الله صالح صار أحد المؤيدين الرئيسيين للتمرد الحوثي. كان صالح وراء محاولات إشاعة الفوضى في شتى أنحاء اليمن (..) وفي وقت لاحق بدءاً من سبتمبر 2014 أفادت أنباء بان صالح يحرض على زعزعة الاستقرار في اليمن من خلال الاستعانة بالجماعة الحوثية المنشقة ليس لمجرد نزع الشرعية عن الحكومة المركزية فحسب بل لخلق مناخ من عدم الاستقرار يتيح القيام بانقلاب".
يضيف البيان المقدم من واشنطن "في أواخر سبتمبر 2014 أفادت أنباء بأن عدداً غير معروف من مقاتلي الحركة الحوثية يتأهبون لمهاجمة السفارة الأمريكية بصنعاء في اليمن فور تلقيهم أوامر من القائد العسكري الحوثي لصنعاء عبد الخالق الحوثي".
وأشار البيان إلى أن دور أبوعلي الحاكم هو هو تنظيم العمليات العسكرية التي تخوضها جماعة الحوثيين وأنه مسؤول أيضاً عن السيطرة على جميع الطرق داخل صنعاء وخارجها وتأمينها.
طبقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2140 بشأن اليمن, تشمل العقوبات التي يخضع لها معرقلو العملية السياسية تجميد كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لأموالهم وأصولهم المالية ومواردهم الاقتصادية مع استثناءات محددة وكذا منعهم من السفر.
وبموجب القرار, تنطبق العقوبات على "الأفـراد أو الكيانـات الـذين تقرر اللجنة أنهم يشاركون في أعمال تهدد السلام أو الأمن أو الاستقرار في الـيمن أو يقـدمون الدعم لتلك الأعمال" بما في ذلك "عرقلة أو تقويض نجاح عملية الانتقال السياسي، على النحو المـبين في مبـادرة مجلس التعاون الخليجي والاتفاق المتعلق بآلية التنفيذ" وإعاقة تنفيذ مقررات مؤتمر الحوار الوطني و"التخطيط لأعمال تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القـانون الإنـساني الدولي".
في الواقع, لا يمكن النظر إلى العقوبات الدولية على الأفراد والكيانات المعرقلين للعملية السياسية على أنها وصفة سحرية, يتعين التعويل عليها في لجم النشاطات المقوضة لاستقرار البلاد والمعيقة للعملية الانتقالية السياسية, خصوصاً لدى الجماعة الحوثية التي لا تملك مصالح من النوع الذي ستمسه العقوبات.
أما الرئيس السابق فمن الصعب التنبؤ بردة فعله في حال أُخضع للعقوبات لأن ذينك الفئتين من العقوبات (تجميد الأصول وحظر السفر) لا تبدوان كافيتين لكبح نشاطاته المفترضة ضد المرحلة السياسية التي قامت على أنقاض عهده, إذ من غير المستبعد أن يكون صالح قد اتخذ إجراءات من أي نوع لاتقائها.

